أحمد بن محمد القسطلاني
202
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وابن عساكر وأبي ذر والحموي ولكني ، وفي رواية مما ليس في اليونينية ولكنني إذ يجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدمه ( سمعته ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( يقول : من كذب عليَّ فليتبوّأ ) بكسر اللام على الأصل وبسكونها على المشهور ومن موصول متضمن معنى الشرط والتالي صلته وفليتبوّأ جوابه أمر من التبوّء أي فليتخذ ( مقعده من النار ) أي فيها . والأمر هنا معناه الخبر أي أن الله تعالى يبوِّئه مقعده من النار ، أو أمر على سبيل التهكم والتغليظ ، أو أمر تهديد أو دعاء على معنى بوَّأه الله ، وإنما خشي الزبير من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكنه قد يأثم بالإكثار ، إذ الإكثار مظنة الخطأ ، والثقة إذا حدَّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع ، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار ، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث ، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبّت أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان قاله الحافظ ابن حجر . 108 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ : إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَنْ تَعَمَّدَ عَلَىَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » . وبه قال : ( حدّثنا أبو معمر ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة عبد الله بن عمرو المنقري البصري المعروف بالمقعد ( قال : حدّثنا عبد الوارث ) بن سعيد التيمي البصري ( عن عبد العزيز ) بن صهيب الأعمى البصري أنه قال : ( قال أنس ) أي ابن مالك رضي الله عنه ، وفي رواية أبوي ذر والوقت بإسقاط قال الأولى : ( إنه ليمنعني أن أحدثكم ) بكسر همزة إن الأولى مع التشديد ، وفتح الثانية مع التخفيف أي ليمنعني تحديثكم ( حديثًا كثيرًا ) بالنصب فيهما والمراد جنس الحديث ، ومن ثم وصفه بالكثرة ( أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : من تعمد عليّ كذبًا ) عامّ في جميع أنواع الكذب لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم ، والمختار أن الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع ولا يشترط في كونه كذبًا تعمده والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره ( فليتبوّأ مقعده من النار ) فأفاد أنس أن توقّيه من التحديث لم يكن للامتاع من أصل التحديث للأمر بالتبليغ ، وإنما هو لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ . وقد ذهب الجويني إلى كفر من كذب متعمدًا عليه صلوات الله وسلامه عليه ، ورده عليه ولده إمام الحرمين وقال : إنه من هفوات والده ، وتبعه من بعده فضعفوه ، وانتصر له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك عليه وعلى غيره ، فإنما الوعيد بالخلود . قال : ولهذا قال فليتبوّأ أي فليتخذها مباءة ومسكنًا وذلك هو الخلود ، وبأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله ، واستحلال الحرام كفر والحمل على الكفر كفر ، وأجيب عن الأوّل : بأن دلالة التبوّء على الخلود غير مسلمة ولو سلم فلا نسلم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ للكفر بدليل متعمد القتل الحرام . وأجيب عن الثاني : بأنَّا لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقه فقد يكذب عليه في تحليل حرام مثلاً مع قطعه بأن الكذب عليه حرام ، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل كما تقدم العصاة من المؤمنين على ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها انتهى : 109 - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : « مَنْ يَقُلْ عَلَىَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ » . وبه قال : ( حدّثنا المكي ) وفي رواية أبي ذر : حدّثني المكي بالإفراد والتعريف ، وفي أخرى : حدّثني مكي بالإفراد والتنكير ( ابن إبراهيم ) البلخي ( قال : حدّثنا يزيد بن أبي عبيد ) بضم العين الأسلمي ، المتوفى بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ( عن سلمة ) بفتح السين واللام ( ابن الأكوع ) واسم الأكوع سنان بن عبد الله السلمي المدني ، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة ، وله في البخاري عشرون حديثًا . ( سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي كلامه حال كونه ( يقول : من يقل علي ) أصله يقول حذفت الواو للجزم